الشيخ السبحاني

54

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

لأجاب بأنّ اللّه هو المدبر ، كما يقول سبحانه : وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ « 1 » لكن نرى أنّ القرآن يعترف بمدبريّة غير اللّه سبحانه حيث يقول : فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً « 2 » . 5 - إنّ القرآن يشير إلى كلتا النسبتين ( أي نسبة الفعل إلى اللّه سبحانه إشارة إلى الجانب التسبيبي وإلى الإنسان إشارة إلى الجانب المباشري ) بقوله : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى « 3 » . فهو يصف النبي الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله وسلم ) بالرمي وينسبه إليه حقيقة ويقول : « إذ رميت » ، لكنه يصف اللّه سبحانه بأنه الرامي الحقيقي وما ذلك إلا لأن النبي إنما قام بما قام بالقدرة التي منحها اللّه له ، وكان مفيضا لها عليه حين الفعل ، فيكون فعله فعلا للّه أيضا . وهذه المجموعة من الآيات ترشدك إلى النظرية الحقّة في تفسير التوحيد في الخالقية . وفي الحديث القدسي إشارة إليها . يقول : « يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ، وبقوتي أدّيت إلي فرائضي ، وبنعمتي قويت على معصيتي ، جعلتك سميعا بصيرا قويا » « 4 » . ثم إنّ هذه النظرية ، على تقاريرها المختلفة من حيث الدقّة والرقّة « 5 »

--> ( 1 ) سورة يونس : الآية 31 . ( 2 ) سورة النازعات : الآية 5 . ( 3 ) سورة الأنفال : الآية 17 . ( 4 ) البحار ، ج 5 ، ص 57 . ( 5 ) إن تفسير مسألة « الأمر بين الأمرين » وأنّ فعل العبد في حال كونه فعله ، فعلا للّه سبحانه يختلف حسب اختلاف الأفهام في المقام ، فيفسره المتكلم على نمط يناسب أبحاثه ، فيصور كونه سبحانه فاعلا بالتسبيب من حيث أنه أعطى القدرة والحياة للعبد ، فلولاه لما قدر العبد على العمل ، وأما الحكيم الإلهي فيرى الموجودات على تباينها في الذوات والصفات والأفعال ، وترتبها في القرب والبعد من الحق تعالى ، قائمة بذاته سبحانه ، فهو مع بساطته